الضوضاء .. خطر على صحتنا وحياتنا

أصبحت الضوضاء جزءا أساسيا من الحياة اليومية يتعرض له الإنسان بشكل دائم، حيث أضحت إحدى آفات العصر التي لا يقتصر تأثيرها على الإزعاج والتوتر العصبي والنفسي فقط، بل امتد إلى الإصابة بأمراض خطرة، كأمراض القلب، واضطرابات الدماغ، بما يهدد صحة الإنسان، ويجعل الضوضاء أحد المخاطر الرئيسية على حياته، وهو ما أكدته دراسة حديثة بأن الأشخاص الذين يتعرضون للضجيج والضوضاء لفترة طويلة في مكان العمل أو أثناء الأنشطة الترفيهية قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب.


الضوضاء أو الضجيج هي خليط من الأصوات المزعجة غير المرغوب فيها، والتي تؤثر سلبا على نشاط الأفراد وإنتاجيتهم فضلاً على تأثيرها على الجهاز العصبي والقلب وعمل الدماغ وأجهزة الجسم الأخرى. وتعتبر الضوضاء نوعا من أنواع التلوث الفيزيائي، ما يجعلها من أكبر عوامل التلوث في البيئة.


وتشير الدراسة التي أجراها باحثون في جامعة كنتاكي الأمريكية، إلى أن التعرض للضوضاء لفترات طويلة قد يزيد من احتمال الإصابة بأمراض القلب، حيث وجدوا الدليل الأقوى على ذلك، بين من هم في سن العمل ويعانون من فقدان سمع التردد العالي، والذي يحدث كنتيجة طبيعية للتعرض للضجيج العالي لفترة طويلة.


وأوضح البروفيسور وين كي جان، الأستاذ بكلية الصحة العامة بجامعة كنتاكي في لكسينجتون، والقائم على الدراسة، أنه مقارنة بالسمع الطبيعي للتردد العالي فإن الأشخاص الذين يعانون من فقدان سمع التردد العالي في الأذنين هم تقريبا أكثر عرضة مرتين للإصابة بمرض القلب التاجي. واعتمد الباحثون على تحليل بيانات 4598 شخصا، من الذين شاركوا في أبحاث الصحة الوطنية، وتراوحت أعمارهم ما بين 22 إلى 70 عاما.


ووجد الباحثون أن المصابين بفقدان سمع التردد العالي في الأذنين أكثر عرضة مرتين تقريبا للإصابة بأمراض القلب والشرايين مقارنة بالأشخاص الطبيعيين. وأضاف الباحثون: “خطر الإصابة بمرض القلب يزيد أربعة أمثاله بين الفئات العمرية من 50 عاما أو أقل، والذين يتعرضون على الأرجح للضجيج في مكان العمل بشكل مكثف”.


وتقول د. شيماء عبدالعال، أستاذة الصحة العامة بجامعة عين شمس: الإنسان يتعرض للضوضاء بشكل يومي وفي كل مكان تقريبا، وهو ما جعل لها تأثيرات سلبية على صحة الإنسان سواء النفسية أو الجسدية، لافتة إلى أن أعلى صوت يمكن أن يتعرض له المرء هو 90 ديسيبل لمدة 8 ساعات يومياً، و100 ديسيبل لمدة ساعتين، و115 ديسيبل لمدة ربع ساعة فقط، وأكثر من ذلك يسبب أضرارا لصحة الإنسان، موضحة أن ردود الأفعال لتأثيرات الضوضاء تختلف من شخص إلى آخر، وتكون أكثر وضوحا عند نفس الشخص عندما يكون الصوت أكثر شدة.


وتابعت: من أبرز تأثيرات الضوضاء على صحة القلب، انقباض الأوعية الدموية الطرفية، وتغير في إيقاع القلب، وربما الإصابة بالشريان التاجي، هذا بجانب تأثيراتها على الجهاز العصبي واضطرابات الدماغ، وتقلص عضلات الجهاز الهضمي. وتوصي د. شيماء بتقليل مدة التعرض اليومي للضوضاء قدر المستطاع وخاصة في مكان العمل، من خلال الابتعاد عن مركز الضوضاء والأصوات العالية، واستخدام سدادات وواقيات الأذن، والتي يمكن أن تحد من تعرض الشخص للضجيج المزعج، إضافة إلى أخذ فترات الراحة في مكان هادئ للتخفيف من تأثير الضوضاء الضار وتجنب مخاطرها.


وهناك أبحاث سابقة كانت قد ربطت بالفعل بين التعرض للضجيج المزعج خاصة في أماكن العمل، والإصابة بمرض شريان القلب التاجي وضغط الدم المرتفع، وغيرهما من أمراض الدماغ، إلا أن الكثير من تلك الدراسات افتقرت إلى معلومات فردية عن التعرض الفعلي للضوضاء واعتمدت بدلا من ذلك على متوسط مستويات الديسيبل في محيط الشخص، وهو ما جعلها لا تقدم أدلة علمية تربط بين الضوضاء والإصابة بأمراض القلب وضغط الدم.


وفي نفس السياق، يشير د. أيمن عامر، أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة، إلى أن الضوضاء التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية تشكل خطرا وتهديدا للصحة العقلية والثبات النفسي، مؤكدا أن الضجيج العالي هو آفة خطيرة، ولها أضرار وتأثيرات مباشرة على الحالة النفسية وكذلك الحالة الصحية دون أن يشعر الشخص بذلك.


وتابع: من الناحية النفسية الضوضاء تثير التوتر وتزيد من حجم العدوانية الإنسانية، نتيجة لاقتحامها الإطار الشخصي، حيث تقلص بالتدريج من المساحة الشخصية للفرد، وتزيد دائرة الاحتكاك مع الآخرين، فتزداد الضغوط النفسية، ما يجعلها من أكثر العوامل البيئية التي تثير مخاوف الإنسان، وبالأخص على إطاره الشخصي ومساحته التي لا يملك غيرها.


ويضيف عامر: خطورة الضوضاء لا تقف عند هذا الحد، بل تمدد إلى سلامة الإنسان العقلية والجسدية وتجعله خارج السيطرة، فيشعر بالخوف والرهبة من هذا الانتهاك غير المبرر لمساحته الشخصية، مما ينعكس على سلوكه ويجعل الشخص غير عقلاني، وتوقف التفكير، وتراجع مستويات التركيز والإنتاج بشكل كبير، موضحا أن الدراسات أكدت على خطورة الضوضاء والأصوات العالية على صحة الإنسان النفسية والعقلية والجسمانية أيضا، لافتا إلى أن الضوضاء تضيق الخناق على المرء، وتجعله ينفر من العلاقات الاجتماعية وتقلص فاعليته ونشاطه الاجتماعي، كما يصبح معرضا لمضاعفات نفسية عدة، أخطرها على الإطلاق إمكانية الإصابة بالانهيار النفسي والعدائية، وقد يصل خطرها لدى البعض حد الإصابة بنوبات نفسية، واضطرابات عمل خلايا المخ مضيفا:


إن أشد مخاطر الضوضاء أنها تساعد على التوتر وتطور العدوانية الإنسانية سريعا فتصل إلى حد الاستهانة بالانتهاكات وتوقف تفكيره عن عواقب الأفعال، مما قد يعرضه لارتكاب جرائم عنف كالاعتداء على الغير والقتل.


وشددت الدراسة الأمريكية، على ضرورة وقف التعرض الزائد للضوضاء أو الحد منه في المنزل وأماكن العمل، بما لا يزيد عن 2 – 3 ساعات من الضوضاء والضجيج يوميا، لتجنب أخطارها ومضاعفاتها على الصحة العامة للإنسان.

أضف تعليقك

تعليقات  0