لمَ قد ترغب بعض الدول في رفع التضخم؟

بينما تعاني بلدان عدة جراء الارتفاع الكبير والمتواصل لأسعار السلع والخدمات، فإن أماكن أخرى من العالم تشهد جهودًا دؤوبة من صناع السياسات بهدف رفع معدلات التضخم (وتيرة الزيادة في الأسعار)، ورغم أن المستويات المستهدفة منخفضة نسبيًا وجدت البنوك المركزية مشقة في بلوغها وأحيانًا وصلت إليها لكنها لم تثبت استدامتها.


وفي بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، عكفت السلطات النقدية بالتعاون مع الحكومات على رفع معدلات التضخم إلى قرب 2% منذ الأزمة المالية العالمية قبل عقد من الزمان، وبعض هذه الدول نجح بالفعل مؤخرًا في بلوغ مستهدفه، لكن بلدا مثل اليابان ما زال يجاهد العقبات لبلوغ مراده وسط خلاف حول إمكانية الأمر أو أهميته من الأساس.

لكن لمَ قد ترغب دولة ما في رفع معدل التضخم، حتى وإن كان هذا الرفع محدودا، أليس ذلك يعني مزيدًا من الارتفاع في أسعار السلع والخدمات التي يحتاجها المواطنون، أليس من المفترض أن تكون مهمة البنوك المركزية والحكومات هي ضمان استقرار الأسعار ودعم القوة الشرائية للأسر؟

لمَ تستهدف الدول مزيدًا من التضخم؟

- تناولنا من قبل في تقرير سابق، مفهوم التضخم، وقلنا إنه يحدث عند زيادة أسعار العديد من السلع والخدمات في آن واحد، وتطرقنا أيضًا للحديث عن أسباب حدوثه، والتي منها الدين القومي وارتفاع الأجور وسعر الصرف وغيرها، وقسّمنا التضخم إلى أنواع مختلفة.


- من بين المهام الرئيسية للبنوك المركزية والتي تستهدف إنجازها عبر السياسة النقدية؛ التحكم في التضخم وضبط الاستهلاك وتعزيز النمو، وعدم ترك العنان لارتفاع الأسعار بما يضعف القدرة الشرائية للعملة المحلية ويثقل كاهل المواطنين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استهداف خفض التضخم على طول الخط إلى ما لا نهاية.

- يظل التضخم مسألة شديدة الجدل في علم الاقتصاد، وحتى المصطلح ذاته يُستخدم في سياقات مختلفة وله تعريفات عديدة، ويرى اقتصاديون ورجال أعمال وساسة أن مستويات التضخم المعتدلة (مرتفعة نسبيًا) مطلوبة لدفع الاستهلاك، والذي يُعتبر بدوره محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي، بحسب "إنفستوبيديا".

- يقول بنك إنجلترا عبر موقعه الإلكتروني: إبقاء التضخم مستقرًا يساعد الجميع على التخطيط للمستقبل، لكن إذا كان مرتفعًا أو متقلبًا للغاية، سيكون من الصعب على الشركات تحديد الأسعار المناسبة وسيعاني المواطنون في وضع خطط الإنفاق.

- أما إذا كان التضخم منخفضا بشدة أو انحدر إلى النطاق السالب، فقد يدفع ذلك بعض الناس إلى تأجيل خططهم الإنفاقية، لأنهم في هذه المرحلة سيتوقعون مزيدًا من الانخفاض في الأسعار، ورغم أن الأسعار المتراجعة تبدو أمرًا جيدًا، سيؤدي تراجع الإنفاق إلى الإضرار بأعمال الشركات ويقضي على الوظائف.


- يعتقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي أيضًا أن ضمان استمرار ارتفاع مستوى الأسعار (لكن ببطء) يعني الحفاظ على مكاسب الشركات ويمنع المستهلكين من تأجيل خططهم الإنفاقية انتظارًا لتراجع محتمل في الأسعار، لهذه المعتقدات يرى اقتصاديون أن مهمة التضخم الأساسية هي منع الانكماش.

- في شرح مبسط لسيناريوهات تحرك الأسعار، يقول بنك إنجلترا: إذا ابتعدنا عن مستهدف التضخم بأكثر أو أقل من 1%، سيكون علينا تبرير ذلك للحكومة، وحينها ستحدد هي ما يجب فعله للعودة إلى المستوى المستهدف.

كيف يصبح التضخم مفيدًا؟

- رغم أن ارتفاع الأسعار قد يعني مزيدًا من الأعباء على المواطنين، فإن التضخم بشكل عام يعود عليهم بالنفع، فعلى سبيل المثال، أولئك الذين يقترضون الأموال من البنوك يستفيدون جراء تآكل قيمة الديون، بحسب تقرير لـ"بي بي سي".

- لنقل مثلًا إن شخصًا ما حصل على 10 آلاف دولار عبر قروض الرهن العقاري لشراء منزل جديد، وفي ظل تسارع التضخم (الذي عادة ما يصحبه تسارع لوتيرة نمو الأجور)، يعني ذلك أن تسديد قيمة الرهن العقاري سيكلفه حصة أصغر من دخله، وعلى النقيض تمامًا يؤدي انكماش التضخم إلى زيادة القيمة الحقيقية للديون.


- ارتفاع الأسعار يجعل من السهل على الشركات زيادة الأجور، ورغم أن أرباب العمل ليسوا مضطرين لزيادة الرواتب بنفس وتيرة ارتفاع الأسعار، لكنه في كل الأحوال يمنح العاملين فرصة للاستمتاع بدخل أكبر، بينما قد تضطر الشركات لخفض الأجور حال وصل التضخم إلى صفر.

- انعدام التضخم يضعف المعنويات ويقوض التوظيف والإنتاجية، في السنوات التالية للأزمة المالية العالمية، كان التضخم يرتفع بأكثر من الأجور في عدد من بلدان العالم المتقدم، لكن بفضله كانت الرواتب تنمو في نهاية المطاف.

- تحب الحكومات التضخم أيضًا لأنه يعني تآكل قيمة ديونها المتراكمة وزيادة في دخلها، فزيادة الأسعار تترجَم إلى نمو الإيرادات الضريبية. التضخم السالب.

- يحدث انكماش الأسعار أو التضخم السالب، عندما تتراجع الأسعار بفعل تجاوز المعروض لحجم الطلب على السلع، وربما يرجع ذلك إلى انخفاض السيولة المتداولة أو الائتمان أو الإنفاق الاستهلاكي، كما أن ارتفاع المعروض السلعي يعني أيضًا أن على الشركات تقليل أسعارها لتشجيع الناس على شراء منتجاتها.

- عندما ينخفض مؤشر الأسعار الرئيسي في بلد ما، أي تنخفض الأسعار على نطاق واسع به، فقد يُعتبر ذلك عرَضًا لمرض أقوى، ربما يكون تباطؤ النمو أو فقدان الثقة في المستقبل الاقتصادي للبلاد على المدى القصير، وفقًا لصحيفة "ذا ديلي ستار".


- يقترن انكماش الأسعار في بعض الأحيان بفترات ممتدة من تراجع الأسعار وركود نصيب الفرد من الدخل، وهي محنة عانت منها اليابان في التسعينات، حيث شهد اقتصادها تباطؤا وركد سوق العمل وتراجعت الاستثمارات.

- مع انخفاض أرباح الشركات جراء تراجع الأسعار وتأجيل المواطنين لخططهم الإنفاقية، يبدأ أرباب العمل بالرد على ذلك عبر خفض التكاليف، وهو إجراء يترتب عليه إغلاق للمتاجر والمصانع والمخازن وتسريح العمالة.

- هؤلاء العمال الذين فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم، سيتراجع إنفاقهم، ويؤدي ذلك إلى مزيد من التراجع في الطلب وتعمق الانكماش، ما يدخل البلاد في دوامة انكماشية يصعب كسرها.

أضف تعليقك

تعليقات  0