هل ستشعر بارتياح في مقابلة وظيفية مع جهاز روبوت؟

تجري جهات توظيف في السويد الآن تجارب على أول جهاز روبوت في العالم صمم لإجراء مقابلات التوظيف بطريقة منصفة. فهل يمكن له أن يخرج بنتائج أفضل من البشر؟ ويُطلق على هذا الروبوت الأنثى اسم "تينغاي"، ويبلغ طوله 41 سنتيمترا، ويزن 35 كيلوغراما.


وحين توضع "تينغاي" على الطاولة فإنها تكون في مستوى العينين مباشرة أمام الشخص المرشح للوظيفة، والذي يخضع للمقابلة من جانب "تينغاي".


ومع بداية المقابلة، يستدير وجهها الأصفر المتوهج قليلا، وتطرف بعينيها وتبتسم ابتسامة خفيفة قبل أن توجه أول أسئلتها إلى من أمامها:

"هل سبق لك أن خضعت لمقابلة مع جهاز روبوت؟" وكانت فكرة تينغاي، التي طورتها شركة "فورهات روبوتيكس" المتخصصة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والروبوتات المخصصة للأغراض الاجتماعية، وليدة مشروع بحثي نفذه معهد "كيه تي اتش" الملكي للتكنولوجيا بالعاصمة السويدية ستوكهولم.


وعملت الشركة خلال السنوات الأربع الماضية على بناء روبوت حاسوبي يشبه البشر ويمكنه تقليد الطريقة التي نتحدث بها، والتعبيرات الدقيقة لوجوهنا.


وبحسب غابرييل سكانتزيه، كبير الباحثين، فإن الفكرة تتمثل في أنه "يقلل شعورك بالغرابة أو الخوف بكثير، مقارنة بالروبوتات التقليدية".


ومنذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2018، تتعاون هذه الشركة الناشئة مع شركة "تي إن جي"، وهي واحدة من كبرى شركات التوظيف في السويد، ويهدفون بذلك لأن يمنح المرشح للوظيفة فرصة لخوض مقابلة بعيدا عن أي تحيزات غير مقصودة عادة ما يقع فيها المديرون أو الموظِّفون أثناء عملية اختيار الموظفين، في حين تكون تجربة المقابلة "أقرب لكونها مقابلة مع بشر".


وقالت إيلين أوبيرغ مارتنزون رئيسة قسم الابتكار في مكتب شركة "تي إن جي" للتوظيف بوسط استوكهولم إن "من النموذجي أن تستغرق سبع ثوان لتكوين انطباع أولي عن الشخص الذي أمامك، كما يمكن لموظف التعيين أن يستغرق ما يتراوح بين خمس دقائق و15 دقيقة ليتخذ قراره"، لذا فهم يسعون لأن يتفوقوا على ذلك.


ومن بين التحيزات غير المقصودة إصدار أحكام افتراضية على كفاءة من أمامك بناء على أمور منها جنسه أو عرقه أو صوته أو مستواه التعليمي أو مظهره، أو حتى من انطباع تكوّن من محادثة غير رسمية سبقت المقابلة أو تلتها.


وأضافت مارتنزون: "على سبيل المثال، لو سألتك في بداية المقابلة عما إذا كنت تحب لعبة أفضلها أنا مثل الغولف، ورددت علي بالإيجاب فعندها قد أعتبر ذلك بطريقة ما نقطة إيجابية في المقابلة."


وعلى العكس من ذلك، فإن "تينغاي" لا تنخرط في محادثات سابقة للمقابلة، كما أنها تطرح جميع أسئلتها بطريقة واحدة وبنفس النبرة والترتيب، ويعتقد أن ذلك يجعل من المقابلة أكثر إنصافا وموضوعية.


وبعد ذلك، تحصل جهة التوظيف أو المدير على نص مكتوب لكل مقابلة، ومن خلاله- وبناء على إجابات المرشحين فقط- يجري اختيار من سيمنح الفرصة لبلوغ المرحلة التالية في عملية اختيار الموظفين.


وترى بيترا إليسون، وهي موظفة خمسينية تعمل في التوظيف في مجال الرعاية الطبية، أنه في حال وجود عملية توظيف كبيرة أمامك بها عدد كبير من المرشحين للوظيفة، فإن وجود روبوت آلي من دون مشاعر أو تعابير يعتبر أمرا جيدا للغاية.


وتشارك إليسون في جزء من هذه التجارب، مرة كموظفة تعيين تعمل على تحليل نصوص المقابلات مع المرشحين للوظيفة، وأخرى كشخص يخضع للمقابلة بنفسه.


وقالت إليسون: "كنت متشككة قبل إجراء تينغاي المقابلة معي، لكنني خرجت من المقابلة بصدمة كبيرة. ففي البداية تملكني شعور عارم بأنها جهاز روبوت، إلا أن ذلك الشعور تلاشى تماما مع مرور الوقت أثناء المقابلة ونسيت أنها روبوت وليست بشرا."


إلا أن الروبوتات تجري برمجتها من قبل البشر، وتعمل على تحليل البيانات التي يجمعها البشر كما أنها تتعلم من سلوكهم، فهل يمكن أن تنتقل إليهم تلك التحيزات البشرية؟ تقول شركة "فورهات روبوتيكس" إنها تسعى للتخلص من ذلك بإجراء عدد من المقابلات التجريبية التي تعتمد على عدد كبير ومتنوع من المتطوعين.


وبحسب غابرييل سكانتزيه، فإن هذه الروبوتات "ستكتسب مهارتها من عدد كبير من اختصاصيي التوظيف، ولن يكون أمامها سلوك معين لشخص ما بعينه".


وبعد أشهر من التجارب، ستبدأ "تينغاي" إجراء المقابلات بشكل حقيقي مع مرشحين في أواخر مايو/أيار. ويعمل مختصون في عملية التوظيف ومطورون للروبوتات على الخروج بنسخة منها تتحدث اللغة الإنجليزية، وينتظر أن يجري طرحها في أوائل عام 2020.


ويهدف المطورون بذلك إلى أن تصبح تينغاي متطورة بما فيه الكفاية لتتمكن من اتخاذ القرار بنفسها حول ما إذا كان بإمكان مرشح ما أن يتقدم للخطوة التالية في عملية التوظيف، بدلا من الاعتماد على البشر للنظر في نصوص المقابلات.


وتولي السويد مساحة خاصة لتجارب التوظيف من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة وأن هذه الدولة الصغيرة تشهد نقاشا محتدما حول مسألة التنوع العرقي في سوق العمل نتيجة الرقم القياسي في معدلات الهجرة خلال الأعوام الماضية.


وتنتشر البطالة بين السكان الأصليين في السويد بنسبة تقارب أربعة في المئة، لكن ذلك الرقم يرتفع بين المواطنين الذين ولدوا خارج البلاد ليقترب من 15 في المئة.


وطبقا لإحصاء حديث أجرته شركة "تي ان جي"، يعتقد 73 في المئة من الباحثين عن الوظائف في السويد أنهم تعرضوا للتمييز في ترشيحهم للوظائف بناء على عوامل منها الجنس، والعرق، والسن، والميول، الجنسية، والمظهر، والوزن، والحالة الصحية، والإعاقة. لذا، يرى بعضهم أن روبوتات مثل "تينغاي" يمكن أن تعتبر خطوة أولى رائعة في عملية التوظيف؛ لأنها لا تحمل أي أنماط للتفكير إزاء لهجتك أو لكنتك أو البلد الذي جئت منه.

أضف تعليقك

تعليقات  0