تقرير لجنة تقصي الحقائق البرلمانية التي شكلت عام 1995 حول موضوع الغزو


تقرير لجنة تقصي الحقائق البرلمانية التي شكلت عام 1995 حول موضوع الغزو ويتضمن التقرير سرداً تفصيلياً لظروف وملابسات المؤامرة التي جرى التخطيط لها باحكام خبيث، في حين كانت الكويت اسيرة تطمينات اشقائها، وطيبة نواياها وسلامة مقصدها بشأن حل الازمة الناشبة ضمن الاسرة العربية وتحت مظلتها الى ان وقع ما وقع بتفاصيله التي يرويها تقرير اللجنة التالي.



الاختراق الأمني


كان العراق يعرف كل شيء عن الكويت وعن تحركاتها وتصرفاتها وذلك عن طريق عناصر تعمل داخل الكويت تحت علم السفارة العراقية وبصفتها الدبلوماسية وساعد في ذلك أنه في فترة الحرب العراقية الايرانية اعطت الكويت العراق تسهيلات ارضية (في الشعيبة والأحمدي) لاستقبال السلاح لدعم الجبهة العراقية. واستمرت هذه التسهيلات بعد توقف الحرب. فاستغل العراق هذه التسهيلات لادخال عناصر الى الكويت دون المرور بسفارة او قنصلية الكويت لدى العراق، وهذه العناصر كانت استخباراتية وليس عسكرية، وكانت في صورة مجموعات تتغير على فترات لتحل مجموعة جديدة محل المجموعة السابقة، وسكتت الكويت على ذلك ولم تعترض.


ولعل اوضح مثال للاختراق الامني ما ذكره السيد رشيد العميري وزيرالنفط السابق من انه عقد اجتماعا سريا مع هشام ناظر وزير النفط السعودي في فندق ريجنسي بالكويت بتاريخ1990/6/28م. وبعد انتهاء الاجتماع غادر هشام ناظر متوجها الى بغداد، فوجد ان المسؤولين العراقيين لديهم جميع تفصيلات هذا الاجتماع السري:


«هذا الاجتماع كان غير معلن وسري ولم تتناوله وكالات الانباء والصحافة، وقعد معاي حوالي6 ساعات وسافر الى بغداد. بعد الغزو وخلال وجودنا في السعودية رحت بزيارة ودية لهشام ناظر في البيت، وقال لي دكتور الحقيقة انا عندي تساؤل، قلت اتفضل، قال تذكر اجتماعنا في الكويت(ريجنسي)، العجيب عندما ذهبت الى بغداد واذا بجميع تفاصيل الاتفاق بيني وبينك كانت موجودة عند وزير النفط العراقي، كيف وصلت المعلومات هذه....



بس نحن الحقيقة كنا مخترقين، بأن تفاصيل الاجتماع هذا وصلت، اشلون وصلت ما استطيع ان اجاوب عليه.... كل تفاصيل آبارنا وانتاجها ووضعها كانت معلومة لدى العراقيين من خلال الموظفين سواء كانوا من العراقيين او الفلسطينيين او من الناس المتعاونين مع النظام العراقي، كانوا ينقلون لهم اول بأول، فنحن كنا مخترقين».



ويضيف السيد ابراهيم البحوه سفير الكويت لدى العراق آنذاك: «انهم (أي العراقيين) يعرفون كل دبيب حركة من حركاتنا ومن اتصالاتنا، العناصر التي كانت تعمل في الكويت تحت علم السفارة وبحكم انها دبلوماسية كانت عناصر امنية.... كانت العناصر التي تعمل في الجانب العراقي تدخل (الكويت) مباشرة دون المرور على السفارة الكويتية او القنصلية لأخذ الفيز، الاستخبارات العسكرية (العراقية) تبعث مندوب بقائمة تقول ان هؤلاء سوف يحلون محل المجموعة التي كانت في الشهر الماضي، طبعا رتب وأسماء لا نعرف هل هم حقا ما يقولون...


وفوجئت بأن المذكرات تأتي لي من الاستخبارات العسكرية العراقية، ولا يفترض بالدبلوماسية ان تتعامل مع الجانب العسكري... فطلبت الخارجية العراقية وقلت لهم ان هذا الشيء لابد ان ينظم بالاسلوب والعرف المتبع، فقال لي ماذا تريد، فقلت اريد ان تأتي مذكرات الفيز عن طريق وزارة الخارجية، ظل يماطل الى فترة، ثم قالوا لي هذا اتفاق بيننا قبل ان تتولى انت هذه المهمة، والاتفاق قائم في ظروف الحرب وسوف يستمر، واعتقد ان وجهة النظر الكويتية كانت مطابقة لهذا الرد واستمر هذا الشيء».



ج- الأوضاع السياسية في الكويت في1990/8/2م:


بتاريخ3 يوليو1986م صدر امر اميري بحل مجلس الامة مع تعطيل بعض مواد الدستور، ومن بينها المادة 107 التي توجب اجراء الانتخابات العامة للمجلس الجديد في ميعاد لا يتجاوز شهرين من تاريخ الحل. ومنذ هذا التاريخ باشرت الحكومة الوظيفتين التشريعية والتنفيذية في آن واحد، وكانت تصدر القوانين بمراسيم أميرية، وقد تقبل الشعب الكويتي على مضض هذه المرحلة الجديدة التي تتنافى مع تقاليده الاصيلة في حكم الشورى، ولا سيما ان حل مجلس الامة اقترن بفرض الرقابة المسبقة على جميع الصحف،


وبصلاحية الحكومة في تعطيل الصحف بالطريق الاداري اي بقرارات من مجلس الوزراء او وزير الاعلام، وهكذا اختفى الرأى الآخر، وضاع اسلوب الحوار، وحرم الشعب الكويتي من اي وسيلة لمراقبة السلطة التنفيذية او متابعتها او مساءلتها، حتى بالكلمة المكتوبة، بعد ان سيطرت الحكومة على كل وسائل التوجيه والاعلام المرئية والمكتوبة والمقروءة.



غير انه سرعان ما بدأ الوعي السياسي في النهوض من خلال الدواوين التي اشتهرت بها الكويت وانفردت بها كظاهرة اجتماعية. فكانت هي امكنة التحاور والتشاور وتبادل الرأي بين المواطنين، ثم ظهرت البيانات السياسية للمطالبة بعودة الحياة الدستورية، وبدأت الاجتماعات التي عرفت بدواوين الاثنين، في اواخر سنة1989 واوائل سنة1990 تطالب باعادة العمل بالدستور وعودة مجلس الامة.



وفي22 ابريل 1990م صدرامر اميري بانشاء المجلس الوطني، وهو مجلس استشاري يتكون من خمسين عضوا منتخبا وخمسة وعشرين عضوا تعينهم الحكومة. وصحب ذلك كم من الصراعات والاعتقالات، مما دعا القيادة العراقية الى الاعتقاد بانشطار الجبهة الداخلية، وان المعارضة الكويتية سوف تحسن استقبال القوات الغازية، ولعل هذا هو ما اوحى للقيادة العراقية ان تعلن في ايام الاجتياح الاولى انه قد كانت هناك ثورة شعبية في الكويت وان هذه الثورة قد طلبت الدعم من العراق.



وفات النظام العراقي ان الشعب الكويتي يتمسك دائما بثوابت لا يحيد عنها، واهم هذه الثوابت استقلال الدولة وشرعية الاسرة الحاكمة، ورغم الأزمات التي مرت بها الكويت منذ نشأتها ككيان سياسي في منتصف القرن الثامن عشر، ورغم أوجه الاختلاف في الرأي الذي صاحب مسيرتها، وبصورة خاصة مع بداية القرن العشرين،


لم يحدث ان كانت شرعية الأسرة الحاكمة محل نقاش او خلاف، وقد اكد ذلك الغزو العراقي الآثم حيث التف الشعب الكويتي حول قيادته واصدر ممثلوه بيان مؤتمر جدة الشهير في 15 اكتوبر1990م الذي جاء به: «نعلن للعالم اجمع تمسكنا بنظام الحكم الذي اختاره شعبنا منذ نشأته وارتضته اجياله المتعاقبة، وتؤكد وقوف الشعب الكويتي كله، رجالا ونساء وشيوخا وشبابا واطفالا، صفا واحدا خلف قيادتنا الشرعية ممثلة في اميرنا الشيخ جابر الاحمد الصباح وولي عهده الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح حفظهما الله».



ولا ترى اللجنة رأي سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء انه مما شجع النظام العراقي على غزو الكويت زيارة بعض المواطنين لبغداد قبل1990/7/17. فبفرض ان النظام العراقي قد قرأ هذه الزيارات قراءة خاطئة، فان موقف جميع المواطنين بعد 1990/7/17 كان كفيلا بانقشاع الغشاوة عن بصره وبصيرته، فضلا عن ان الحكومة وسفارة الكويت لدى بغداد كانتا على علم كامل بهذه الزيارات، بل وشاركت فيها.


خامسا-الأوضاع الاقتصادية والعسكرية في العراق عشية1990/8/2م هل كانت تنبىء بالغزو العراقي:


خرج العراق من حربه مع ايران كأقوى قوة عسكرية في المنطقة: 55 فرقة- مليون جندي- 500 طائرة- 550 دبابة، ولكنه كذلك خرج من الحرب وهو في وضع اقتصادي بالغ السوء. فقد اوردت وكالة رويتر ان خسائر العراق من الحرب العراقية الايرانية:


خسائر الأسلحة والذخائر 100 بليون دولار

الخراب في البنية التحتية والمباني 35 بليون دولار

خسائر في العائدات النفطية 15 بليون دولار


وعندما قامت الحرب كان لدى العراق من المدخرات ما يقارب30 بليون دولار. وعندما انتهت الحرب تبخرت المدخرات وأصبح مدينا بما يقارب100 مليون دولار، تبلغ فوائدها السنوية7 بلايين دولار، وهي قروض من الدول العربية(معظمها لحساب السعودية والكويت)، والدول الأجنبية غير العربية ومؤسسات المال الدولية.



وتخيل العراق ان غزو واحتلال الكويت هو البديل الواقعي لأزمته الاقتصادية. ذلك ان الكويت تملك موارد نفطية كبيرة يمكن ان تعزز مداخيل النفط العراقية. كما ان امتلاك الكويت لأصول خارجية مهمة مدرة للعائد لابد وان يساهم في تعزيز دخل العملات الصعبة. وتلك الأصول يمكن أيضا تسييلها او رهنها لمواجهة التزامات الديون الخارجية القديمة او الجديدة.

لذلك تحدث سعدون حمادي اثناء احتلال الكويت وذكر ان العراق سيتمكن من ضخ ستة ملايين برميل من النفط وجني ثمار ذلك من اموال تمكن العراق من مواجهة التزاماته في اعادة اعمار المنشآت والمدن.


وفي شهر ابريل1990م تلقت الكويت رسالة مطولة من صدام حسين يطلب فيها قرضا بقيمة10 بليون دولار لسد العجز في السنة المالية القائمة، كما حضر الى الكويت لهذا الغرض سعدون حمادي. وكان رد سمو الأمير ان هذا الأمر فوق طاقة الكويت ودعاه لبحث هذا الموضوع من خلال وزيري مالية البلدين، كما طالب سعدون حمادي باسقاط ديون الكويت لدى العراق، وكان رد الكويت على ذلك ان اسقاط هذه الديون من شأنه ان يضر بالعراق ذاته لأن الدول الأخرى سوف تطالبه عندئذ بديونها قبله.


ولم يتم اسقاط تلك الديون. وكلف سمو الأمير مستشاره عبد الرحمن سالم العتيقي بنقل رسالة مكتوبة بهذا المعنى الى صدام حسين قوبلت كما هو متوقع بتجهم شديد من قبله، ويضيف عبد الرحمن العتيقي ان صدام حسين «كان منفعلا جدا ولأول مرة يكون في حالة انفعال تحس ان واحدا في شيء في داخله يريد يتفجر لكن غير قادر عن الافصاح عنه». وعندما اقترح عبد الرحمن العتيقي طرح الموضوع على دول مجلس التعاون الخليجية، كان جواب صدام حسين«لا يابه، احنا ما نريد هيجي، اذا كان على اخواننا دول الخليج احنا نعرف شلون نتصل، احنا ما نريد هيجي».



ويمكن اجمال مطالب العراق -كما عرضتها جريدة الواشنطن بوست الأمريكية بعددها بتاريخ1990/7/31م فيما يلي:

10 بلايين دولار كمساعدة.

2.4 بليون دولار تعويضا عن النفط المسروق (زعما).

إلغاء ديون الحرب التي تقدر بحوالي 10 بليون دولار.


تخلي الكويت عن حقل الرتقة



ابرام عقد ايجار طويل المدى يسمح للعراق بالسيطرة على جزيرة بوبيان. وهناك معادلة صحيحة دائما من خلال دراسة تاريخ الدول والمجتمعات القديمة منها والحديثة. هذه المعادلة ترى ان هناك علاقة طردية بين عسكرة المجتمع والمغامرات الخارجية التي تقوم بها السلطة في ذلك المجتمع تحت مختلف التبريرات والأقنعة الايديولوجية.


فالأوضاع العسكرية في العراق المتمثلة في جيش ضخم خرج لتوه من حرب ضروس ويتعذر ادماجه في المجتمع المدني في ظل نظام الحكم القائم في العراق، والاوضاع الاقتصادية المتدهورة، كانت تنبىء بأن العراق سوف يقدم على مغامرة عسكرية جديدة، وهذه المغامرة العسكرية لن تكون بطبيعة الحال موجهة ضد ايران التي خرج العراق لتوه من الحرب منها.


لقد كانت هناك احداث ومؤشرات تدل على ان شيئا كارثيا كان لابد ان يحدث من اجل اخراج العراق من وضعه الاقتصادي اليائس والذي يقف حجر عثرة في طريق هيمنة القوة العراقية كأقوى قوة في المنطقة بعد حرب الخليج الاولى. أضف الى ذلك شخصية صدام حسين نفسه التي تتميز بالايمان بالعنف كوسيلة لتحقيق الاهداف، سواء تحدثنا عن مرحلة المعارضة او مرحلة الحكم، وسواء تحدثنا عن العلاقة مع الرفاق او المعارضة او الجيران.

(راجع: الدكتور تركي الحمد،« الغزو: الأسباب الموضوعية والمبررات الايديولوجية»، عالم المعرفة، العدد195، ص97- عامر التميمي، «الابعاد الاقتصادية للغزو»، عالم المعرفة، العدد195، ص227 وما بعدها)


يخلص مما تقدم:


أولا: ان العراق هو السبب في التوتر في العلاقات العراقية الكويتية. فبالرغم من تحديد الحدود بين البلدين بوضوح كاف بمقتضى اتفاقيات1912م، 1922م، 1932م، 1963م، الا ان العراق كان يرفض دائما اي طلب من جانب الكويت لترسيم الحدود بل تجاوز ذلك الى نقض الاعتراف بالكويت دولة وحدودا، وهو ما حدث في عهد الملك غازي سنة1937م، وعبد الكريم قاسم سنة1961م، وكانت الخاتمة بالزحف على الكويت واحتلالها وضمها في1990/8/2م.




وتخللت هذه التواريخ ادعاءات من المسؤولين العراقيين بأن أجزاء من أرض الكويت (وربة- بوبيان- الساحل الشمالي) تدخل ضمن الحدود العراقية، بالمخالفة للاتفاقيات والمواثيق المتفق عليها بين البلدين، وآخرها اتفاقية1963م. وزاد من عوامل التوتر في العقود الأخيرة، محاولة العراق ابتزاز الكويت عن طريق طلب المساعدات والقروض التي لا ينوي العراق سدادها، ولاتستطيع الكويت عملا اجباره على دفعها. ورغم ان مستحقات الكويت لدى العراق بلغت قبل الغزو13 مليار دولار على الأقل، الا انه عاد وطالب قبل الغزو بمساعدة تبلغ عشرة مليارات دولار، ولعل عدم موافقة الكويت على هذا الطلب، وعدم رضوخها لهذا الابتزاز الذي لا ينتهي هو احد الاسباب المباشرة لعدوان1990/8/2م.



ثانيا: ان جميع الادعاءات التي وردت في مذكرتي العراق الى الأمين العام لجامعة الدول العربية خلال شهر اغسطس1990م، لا أساس لها من الصحة، بل هي مزاعم قدمها الى العالم العربي والأجنبي ليبرر عدوانه الآثم على دولة الكويت. فالكويت لم تتعد حقوقها الدولية في استغلال حقل الرتقة، ولم تتعمد تجاوز حصتها في مؤسسة الأوبك بقصد التأثير في اقتصاديات العراق، ولم تزحف -كما يدعي النظام العراقي- زحفا مبرمجا على اراضيه. بل العكس هو الصحيح. فالعراق هو الذي كان كثير التعدي على الحدود الكويتية، وأبرزها حادثة الصامتة سنة1973م، التي امكن تطويقها بفضل المساعي العربية.


ثالثا: اقر المسؤولون ان غزوا جزئيا كان متوقعا، كاحتلال جزيرتي وربة وبوبيان، وجزء من الساحل الشمالي، وحقل الرتقة الكويتي، وان كانــــــوا لم يتوقعـــــوا الاجتيـــاح الكامــــل الــــذي حـــــدث فـــــــي1990/8/2م. ويجمع المسؤولون الذين استمعت اليهم اللجنة، ان العدوان الجزئي كان متوقعامنذ ان قدم العراق مذكرته الاولى الى الامين العام لجامعة الدول العربية في1990/7/15م.


رابعا: اذا كانت الحكومة قد توقعت فعلا العدوان الجزئي، فقد كان في وسعها ايضا توقع ما هو ابعد من ذلك، وهو الاجتياح الكامل لأرض الكويت، وذلك في ضوء المعطيات التالية:


1- التوتر الكامن في العلاقات بين البلدين بسبب ادعاءات العراق الحدودية، وهو توتر امتد عبر سنوات عديدة.

2- الضغط العراقي للحصول على مساعدات مالية الذي تزايد منذ مؤتمر قمة بغداد1990م.

3- التهديدات العراقية الصريحة منذ1990/7/15م.

4- التقارير الاستخباراتية (يراجع التقرير العسكري) والتحذيرات الكثيرة للحكومة احتمالات الغزو العراقي، والتي وردت من شخصيات رسمية وغير رسمية قبل1990/7/15 وبعده.

5- عدم صدور اي بادرة من النظام العراقي في الفترة من15/7 الى1990/8/1م تدل على الاستجابة الجدية للوساطة العربية، وبصورة خاصة رفضه اقتراح الكويت تشكيل لجنة من اطراف عربية تنظر في اوجه الخلاف بين الدولتين.

6- شخصية صدام حسين التي تؤمن بالعنف كوسيلة لتحقيق الأهداف.

7- كما انه مما كان يرجح اتجاه العراق نحو العدوان العسكري الظروف الاقتصادية القاسية التي كان يعيشها العراق بسبب حربه مع ايران وزيادة اعباء الديون، بالاضافة الى طبيعة نظام الحكم في بغداد، وعدم قدرته على استيعاب الطاقة البشرية الكبيرة التي تضمها قواته المسلحة في المجال المدني.


خامسا: اطمأنت الحكومة تماما الى الوساطات العربية التي اكدت لها ان النظام العراقي لن يقوم بأي عدوان. وعلى هذا الأساس اختارت البديل السياسي، وسارت فيه الى نهايته، الى ان كان اجتماع جدة في13/7، 1990/8/1م الذي لم يسفر عن شيء. وفيما بين فشل هذا الاجتماع واختراق الحدود، وهي فترة تقاس بالساعات، لم يكن لدى القيادة السياسية الوقت الكافي لاختيار بديل آخر، فكان الاجتياح الكامل وسقوط جميع مؤسسات الدولة في غضون ساعات.


سادسا: يبدو انه حتى بعد فشل اجتماع جدة وعودة الوفد الكويتي الى البلاد في مساء يوم1990/8/1م لم يكن الاجتياح العراقي متوقعا لدى القيادة الكويتية. فلدى عودته الى الكويت، دعا سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الى اجتماع لمجلس الوزراء يعقد في الساعة التاسعة من صباح يوم1990/8/2م. كما طلب النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية من وكيل وزارة الخارجية الالتقاء بالسفير العراقي لدى الكويت في صباح اليوم ذاته للتباحث حول موضوع جانبي وفرعي.


اي ان الحكومة لم تعتبر فشل اجتماع جدة فشلا للعمل الدبلوماسي. ولم يحدث، منذ بداية الأزمة، وحتى ساعة اختراق القوات العراقية الحدود الكويتية، أن طلبت حكومة الكويت عونا عسكرياً خارجياً، خليجيا، أو عربياً، أو أجنبيا، ولم يحدث ان اتخذت اجراء ما، عسكرياً أو مدنياً، لمواجهة عدوان محتمل.



ولم تفق الحكومة إلا بعد أن تم اختراق الحدود فعلا، فكان طبيعيا أن تصاب بالارتباك والهلع. وكان ذلك واضحا في اجتماع مجلس الوزراء ليلة 2/8 في الجيوان، الذي حضره سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء وبعض الوزراء ممن أمكن دعوتهم لحضور هذا الاجتماع، ومن الطريقة التي غادر بها المسؤولون أرض الكويت باتجاه النويصيب ثم الخفجي.


وعلى ذلك لم تضع اي خطة عسكرية تكون جاهزة عند الاقتضاء، أو أي خطة عسكرية بديلة في حالة عدم نجاح الخطة الأصلية يقول سمو ولي العهد أنه في فجر يوم 2/8، بعد أن بلغه نبأ الاجتياح العراقي، وانتقل من الجيوان الى مقر الدفاع الجوي في صبحان: (طلعت قواتنا بالليل وطيارينا صحيناهم من فرشهم).



وإذا كان قرار سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء بالذهاب الى قصر دسمان واصطحاب سمو أمير البلاد الى خارج البلاد هو من افضل واسلم القرارات التي كان ممكن اتخاذها في ذلك اليوم والتي ادت الى انقاذ الشرعية. سابعاً: كان من الممكن ان تلجأ الحكومة الىالخيار العسكري. ولانعني بذلك الاعتماد على القوة العسكرية الذاتية للكويت فقط، فهي لم تكن تتناسب البته مع الحشود العسكرية العراقية، لا من حيث العدد ولا من حيث العتاد ولا من حيث الخبرة، ولكنها كانت تكفي لو تم إدارة الأزمة بالاسلوب السليم لتأخير الاجتياح العراقي ولو إلى حين.


وفي تقييم الأجهزة الغربية والمحلية أنه لو كانت هناك استعدادية قتالية لدى القوات المسحلة الكويتية لكان باستطاعتها تأخير تقدم القوات العراقية لمدة يومين والعمل كأسلاك شائكة، مما يعطي الكويت الوقت الكافي لأن تستدعي قوات شقيقة وصديقة تصل لمساعدة الكويت. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، وصدرت الأوامر للقوات المسلحة بالتصدي للغزو العراقي، بعد عدة ساعات من اختراق الحدود، وفي وقت لم تكن فيه جاهزية القوات المسلحة كاملة للقيام بمهامها القتالية وهو ما أدى إلى سقوط الدولة بالكامل بجميع مؤسساتها.


وصحيح أيضا ان الاستعانة بالعون العسكري العربي لم يكن ليسعف. فالعلاقات العربية- العربية في 1990م لم تكن كما كانت عليه في سنة 1961م والوساطات العربية التي كانت تدعو الى التهدئة، تنبئ بذاتها بأن الدول العربية لم تكن ترغب في ان تخوض وحدها غمار حرب ضد العراق لاتعرف عواقبها.


ومعاهده الدفاع العربي المشترك تكاد لم تر منذ أن تم التوقيع عليها طريقها الى التطبيق، وكانت أجهزة الإعلام العراقي ترسخ في الأذهان ان العراق قوة عسكرية لاتهزم، وقادرة على حرق «نصف اسرائيل» بما تملكه من الاسحلة التقليدية والأسلحة المحرمة دوليا والكيماوي المزدوج.



ومع ذلك فإن دعوة الدول العربية الى تحمل مسؤولياتها تجاه الأزمة، كان من الممكن ان تكون لها جوانبها الإيجابية، السياسية والعسكرية ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، واقتصر تحرك الحكومة في إطار جامعة الدول العربية- على العمل السياسي. كما أنه كان من الممكن، فور التهديدات العراقية بدءا من 15/7/1990م،



الطلب من الولايات المتحدة المشاركة في رد العدوان وتطمئن اللجنة في ذلك إلى ما أفاد به الشيخ سعود الصباح سفير الكويت لدى الولايات المتحدة الاميركية من أنها كانت على استعدادا لهذه المشاركة إذا طلبت منها الكويت ذلك، وهو ما لم يحدث. خاصة وأن الكويت قد نجحت اثناء الحرب العراقية الإيرانية في حماية ناقلات النفط الكويتية التي كانت تتعرض لإعتداءات مستمرة في الخليج برفع العلم الاميركي عليها وذلك بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية.


ثامناً: ولاتقتنع اللجنة بما ردده المسؤولون أمامها من أن تقييم الخيار السياسي، واستبعاد الخيار العسكري، لم يكن فقط بسبب التطمينات العربية، بل كان ايضا بسبب المواقف المبدئية للكويت منذ استقلالها، من حيث ايمانها بالقومية العربية، ومبادئ عدم الإنحياز، وإن الرأي العام الداخلي ما كان ليقبل الإستعانة بقوات أجنبية، وأن ذلك كان من شأنه ان يحدث انشقاقا داخليا وخليجيا لاتقتنع اللجنة بشيء من ذلك، فالمفروض أنه عندما يكون الوطن في خطر،


أن تتوارى الشعارات لتحل محلها الوسائل الكفيلة بدرء الخطر فلحماية التراث الوطني تباح كل الوسائل التي يقرها القانون الدولي للدفاع عن النفس، أما الرأي العام الداخلي فقد كان مغيبا بسبب حل المجلس النيابي وفرض الرقابة على الوسائل الأهلية للإعلام منذ سنة 1986 ولم تكن تتوافر للرأي العام، كما توافرت للسلطة التنفيذية، المعلومات عن حجم الحشود الرابطة على حدوده، ومدى المخاطر أنها التي توشك ان تتعرض لها البلاد وهذا الرأي العام الذي تقول الحكومة أنها أدخلته في الاعتبار وانه كان من اسباب تفضيلها للبديل السياسي، هو ذاته الذي لم تعتد به الحكومة ولم تضعه في اعتبارها عندما أقدمت على حل مجلس الأمة حلا غير دستوري في سنة 1976م، وسنة 1986م.



تاسعاً: ان علاقة الكويت بالعراق قبل وبعد 15/7/1990 لم تبن على أسس علمية، ولم تضع الحكومة في الاعتبار ان العلاقات الدولية انما تستهدف اولاً تحقيق المصالح الوطنية السياسية والاقتصادية، كما تراها الدولة صاحبة الشأن وليس كما يراها الآخرون. وحتى الاعمال الانسانية التي تقوم بها الدولة، كتقديم المساعدات العينية والمنح النقدية والقروض الميسرة، لا تستهدف فعل الخير في ذاته، ولاتنتظر الدولة المانحة عنها ثوابا أخرويا،


بل هي وسائل لغايات أبعد، تصب كلها في مجرى المصالح الوطنية وكان على الحكومة في الكويت أن تدرك ان ما قدمته للنظام العراقي من مساعدات مختلفة الأنواع اثناء حربه مع إيران، وقبل هذه الحرب وبعدها، لم يكن من المؤكد ان يؤثر في العراق ايجابا بحيث يغير من سياسته تجاه الكويت، تلك السياسة التي يعود تاريخها الى عدة عقود مضت، والتي اصطبغ بها تفكير قادته سواء في ظل النظام الملكي، أو في ظل أنظمته المتتابعة منذ سنة 1958م، على اختلاف مبادئها وبرامجها.



عاشراً: إن سياسة الكويت في علاقتها بالعراق، بل وبالدول الأخرى بصورة عامة، يجب أن تقوم على استشراف المستقبل في ضوء الحاضر المعاش، وفي ضوء معطيات الماضي، مع دراسة جميع الاحتمالات المستقبلية دراسة علمية كافية، ووضع البدائل المختلفة لمواجهة جميع الاحتمالات بما يحقق الأهداف الوطنية وفي مقدمتها الدفاع عن الوطن وسلامة أراضية ويدخل في ذلك دراسة طبيعة النظام العراقي ومبادئه وأهدافه ووسائله لتحقيق هذه الأهداف، وكذلك دراسة شخصية قادته السياسيين وعاداتهم وطبائعهم وطموحاتهم، والمفروض ان تستعين الحكومة في ذلك بمؤسسات تضم خيرة الخبراء في مجال العلوم السياسة والعلاقات الدولية وعلم النفس، وهم متوافرون في الكويت بفضل الله.


احدى عشر: تستفاد من أقوال سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ان اجهزة نقل المعلومات، لم تنل عناية الحكومة إلا بعد التحرير، فقذ ذكر سموه أنه (فيما يتعلق باجهزة نقل المعلومات للسلطات المختصة بالكويت وبناء هذه الإدارة على اسس علمية يعني هذه واردة عندنا وبدئ باتخاذ الخطوات الخاصة بإعادة تدريب وتوظيف العناصر والكودار التي تتواجد فيها المواصفات الخاصة للعمل في هذه الإدارة) وعندما سئل لماذا لم تترك قبل مغادرة الكويت قيادة بديلة كان جوابه (أي قيادة تترك هي طامة)، وأنه تحمل مسؤولية تعريض الكويت للغزو العراقي ونتائجه،


وعندما سئل عما إذا كانت قد وصلت معلومات استخبارية عن احتمالات الغزو كان جوابه (أنا قلت اني انا اتحمل المسؤولية اكثرا من هذا تبوني أقولكم؟) وواضح من اقواله ان الحكومة كانت ليلة الغزو في اضطراب كامل، وأنها فقدت القدرة على التصرف..


وترى اللجنة:



1- ان السلطة التنفيذية لم تقرأ بصورة صحيحة موقف العراق تجاه الكويت اثناء الحرب العراقية الإيرانية وبعدها.

2- ولم تتوقع الاجتياح الكامل برغم امكانية هذا التوقع.

3- وإختارت الحل السياسي واستبعدت تماما الخيار العسكري الى أن وقع الغزو.

4- ولم تطلب في الوقت المناسب العون العسكري من أي دولة خليجية أو عربية أو أجنبية، برغم العرض الاميركي بتقديم المساعدة، وهو ما فعله المغفور له الشيخ عبدالله السالم سنة 1961م

5- وحل مجلس الأمة في سنة 1986م وفرض الرقابة على الصحف، أدى الى تنامي المطالبة بالعودة إلى العمل بدستور سنة 1962م مما أوحى الى النظام العراقي بوجود انشقاق في الجبهة الداخلية يسهل له عملية الغزو.

6- والدولة كانت مخترقة – من قبل الجانب العراقي- أمنيا وإعلاميا مما سهل عملية الغزو.

7- التغييب التام للرأي الشعبي، حيث كان هناك تعمد لتغييب الخطر والمعلومات والتحركات والحشود العراقية عن الشعب الكويتي..

8- ان الحكومة لم تضع خططا بديلة وفي الدراسات المقارنة ما يعرف في مجال العلوم السياسية بـ«إدارة الأزمات» يحث يضع المسؤولون السياسيون دراسات وخطط لتقليل الخطر عن الكيان السياسي، وهذا عكس مافعلته الحكومة في مجال التهديدات العراقية.

9- لايبدو منطقيا او مقنعا التوجه الذي قامت به الحكومة بالاعتماد الكلي والوثوق الأعمى بالتطمينات الرسمية من قادة الدول الشقيقة خاصة في ضوء استمرار الحشود العراقية- وتناقض التطمينات من الدول الشقية مع التقارير السرية التي نقلت للحكومة من عدة جهات غير عربية تؤكد عزم العراق على شن عدوان على الأراضي الكويتية.

10- لم تقم الحكومة حتى باتخاذ أبسط الاحترازات الأمنية للتوقع الأسوأ، وهو أبسط ما كان يجب أن يقوم به صناع القرار وهم يواجهون خطرا حقيقيا من طرف عرف بعدوانه وطباعه العدوانية. ليس هذا فحسب، بل لقد قامت القيادة السياسية بخفض الجاهزية والاستنفار العسكري، فأصدرت تعليماتها للقيادة العسكرية بخفض حالة الاستنفار العام، كما أعطيت تعليمات لاعطاء اجازات الضباط، وذلك لعدم «إستفزاز العراق».

11- تتحمل الحكومة ككل وخاصة رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الاعلام ووزير الدفاع ووزير الداخلية يتحملون مسؤولية التقصير وقصور الجاهزية، وعدم اتخاذ ابسط التجهيزات والاستعدادات الامنية المدنية والعسكرية للتعامل مع التهديدات العراقية التي استمرت طوال اسبوعين كاملين من 15/7/1990م الى 1/8/1990م.


لقد كان الاعتداء العراقي مبيتا ومخططا، وتم الاعداد له منذ انتهاء الحرب العراقية الايرانية، وكان عدوانا محضا لم تقم دولة الكويت بأي عمل يبرره من قريب او من بعيد، بشكل مباشر او غير مباشر. وعلى ضوء ما تقدم فإن التقصير في مواجهة العدوان العراقي يقع بالدرجة الاولى على عاتق السلطة التنفيذية وبالتالي فهي تتحمل المسؤولية للاسباب التالية:


اولا: لم تقرأ الخطر والتهديدات العراقية الموجهة ضد الكويت قراءة صحيحة.

ثانيا: لم تتعامل مع الخطر تعاملا صحيحا.

ثالثا: لم تتخذ ابسط الاجراءات المطلوبة- كالدعوة لاجراء مناورات كما فعلت دولة الامارات العربية المتحدة- والاستفادة من العرض الاميركي.

رابعا: قللت من الخطر الماثل امام الكويت واستبعدت حتى التجهيز والاعداد الدفاعي والعسكري، وذكرت تقليلا للخطر بأنه «سحابة صيف».

خامسا: غيبت المشاركة الشعبية والرأي العام وتعمدت اخفاء اخبار الاخطار العراقية في اجهزة الاعلام الرسمية.

سادسا: فشلت في مساعيها السياسية التي كانت المحور والمسار الوحيد الذي اتخذته دون غيره من المسارات ولو من باب الاحتياط.


وتقع المسؤولية كاملة على الحكومة. وبسبب تغييب وجود مجلس امة وسلطة تشريعية لتتحمل المسؤولية مع السلطة التنفيذية- القائمة والمسؤولة عن ادارة دفة الازمة- فإن القيادة السياسية ممثلة بمجلس الوزراء فقط دون غيره تتحمل كل التبعات التي ترتبت على الغزو العراقي لدولة الكويت وذلك لعدم قدرته على قراءة الازمة، والتعامل معها والتصدي ولو بالطرق البسيطة والمتواضعة لدرء او حتى لتأخير تقدم القوات العراقية، بما يكفي من وقت.

أضف تعليقك

تعليقات  0